القرطبي

220

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وقال الإمام ابن فورك : أي : كلا لما يقض الله لهذا الكافر ما أمره به من الايمان ، بل أمره بما لم يقض له . ابن الأنباري : الوقف على " كلا " قبيح ، والوقف على " أمره " و " نشره " جيد ، ف‍ " - كلا " على هذا بمعنى حقا . قوله تعالى : فلينظر الانسان إلى طعامه ( 24 ) أنا صببنا الماء صبا ( 25 ) ثم شققنا الأرض شقا ( 26 ) فأنبتنا فيها حبا ( 27 ) وعنبا وقضبا ( 28 ) وزيتونا ونخلا ( 29 ) وحدائق غلبا ( 30 ) وفاكهة وأبا ( 31 ) متاعا لكم ولأنعامكم ( 32 ) قوله تعالى : ( فلينظر الانسان إلى طعامه ) لما ذكر جل ثناؤه ابتداء خلق الانسان ذكر ما يسر من رزقه ، أي فلينظر كيف خلق الله طعامه . وهذا النظر نظر القلب بالفكر ، أي ليتدبر كيف خلق الله طعامه الذي هو قوام حياته ، وكيف هيأ له أسباب المعاش ، ليستعد بها للمعاد . وروى عن الحسن ومجاهد قالا : " فلينظر الانسان إلى طعامه " أي إلى مدخله ومخرجه . وروى ابن أبي خيثمة عن الضحاك بن سفيان الكلابي قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : [ يا ضحاك ما طعامك ] قلت : يا رسول الله ! اللحم واللبن ، قال : [ ثم يصير إلى ماذا ] قلت إلى ما قد علمته ، قال : [ فإن الله ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا ] . وقال أبي بن كعب : قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ إن مطعم ابن آدم جعل مثلا للدنيا وإن قزحه ( 1 ) وملحه فانظر إلى ما يصير ] . وقال أبو الوليد : سألت ابن عمر عن الرجل يدخل الخلاء فينظر ما يخرج منه ، قال : يأتيه الملك فيقول انظر ما بخلت به إلى ما صار ؟

--> ( 1 ) قزحه : أي تبله من القزح وهو التابل الذي يطرح في القدر كالكمون والكزبرة ونحو ذلك . والمعنى : إن المطعم وإن تكلف الانسان التنوق في صنعته وتطييبه فإنه عائد إلى حال يكره ويستقذر فكذلك الدنيا المحروص على عمارتها ونظم أسبابها راجعة إلى خراب وإدبار ) ( النهاية ) .